تسجيل في منتديات انت عراقي منتدى انت عراقي

 
الرئيسية المنتدى سمايلز استعلام الايبي ip العاب فلاش
سرعة اتصالك حكم والامثال

مسجات

مركز تحميل

زخرفه الاسم

لوحة الشرف
المشرف المميز الموضوع المميز العضو المميز
CANON**ROCK قصيدتي في مدح رسول الله جكليته العراقيه

إعلانات الموقع


 

 

 
العودة   انت عراقي > ×.×.×الاقسـام الأدبـية .×.×.× > كان ياما كان
 
 

كان ياما كان قلمك مجدافك وفكرك مركبك وخيالك هو البحر ‘‘ فأبحر لتخرج لنا نسيج القصة ودرر الأقصوصة

التسجيل السريع مُتاح
عزيزي الزائر . وفي حال رغبتم بالإنضمام إلى أسرتنا في المنتدى ينبغي عليكم ،التسجيل!

اسم المستخدم: كلمة المرور: تأكيد كلمة المرور: البريد الالكتروني: تأكيد البريد:
موافق على شروط المنتدى 

::قصص من الواقع::سلسلة اعترافات فتاة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 10-15-2007, 06:44 PM   رقم المشاركة : 6
محمد الطائي
:: Shut Gun ::

Be Safe




!..معلومات إضافية ..!

الجنــــس
مركز تحميلي

مزاجي

تبرع لـ محمد الطائي

أرسل هديه لـ  محمد الطائي

!..الهدايا ..!
 

  محمد الطائي غير متواجد حالياً

 
!..My SmS ..!
 

هم يحسدوني على موتي فواسفا ×× حتى على الموتِ لا أخلو من الحسدِ


 

افتراضي


 
 
- 6 -

غريبة في بيت أهلي




حين عدت من المدرسة ذلك اليوم . . ألقيت نفسي على السرير وأخذت أبكي وأبكي بحرقة . .
فقد شعرت حقاً كم أنا ضعيفة ومهانة . .
لا أعرف كيف سمحت لها أن تقول عني هذا الكلام . . لقد وصفتني بالمنافقة والكاذبة رغم أني أبعد الناس عن هذه الصفات . .
لكنها مشكلتي أنا . . نعم . . إنه ذنبي . .
لم أعرف كيف أعبّر عما أريد قوله . .ولم أرد أو أدافع عن نفسي . . يا لي من غبية حمقاء . .!
هكذا أخذت أردد على نفسي . . وأنا مستمرة في البكاء والنشيج . .
كنت أعلم أني على حق وأنني إنسانة بريئة مسالمة لكن سمر التي كانت تكرهني استغلت عبارة بسيطة قلتها لتقلب الموقف عليّ وتحرجني بكلامها الجارح أمام البنات . .


لا أعرف لماذا سكت تماماً ولم أعرف كيف أرد..
إنني هكذا دائماً جبانة ومترددة ولا أعرف كيف أتحدث مع الآخرين.. ثم أعود لغرفتي لأبكي على نفسي المهانة..


- (مي.. هيا دورك..!)

- ...

- آآ.. عـ.. عفواً أستاذة..لا أستطيع .. تفضلي موضوعي..

- كلا يجب أن تقرئيه بنفسك..

وأمام إصرار المعلمة كنت أقف وقطرات العرق تتصبب وأنا أشعر أن الدنيا تدور بي، وأن الجميع ينظر إلي.. لكني أحاول أن أتماسك وابدأ بالقراءة وأنا أتنفس بعمق.. ودقات قلبي تتصاعد حتى ينتهي الموضوع بسلام..
هكذا كانت تمر عليّ حصة التعبير برعب لأني أضطر خلالها للوقوف والحديث أمام الجميع..


كان والدي يعيرني دائماً لأنني لم أرث عنه قوة الشخصية والحديث بطلاقة.. فقد كان أبي اجتماعياً يعرف الكثير من الناس ويتحدث بطلاقة مع الجميع.. لكني كنت أعتقد أن لكونه مديراً لشركة كبرى دوراً في ذلك.. أما أمي فقد كانت مدرسة وتمتلك أيضاً قدراً من قوة الشخصية.. لكنها لم تفهمني يوماً أو تشعر بالعقدة التي أعاني منها..

ورغم كل العوامل الأسرية الجيدة التي كانت تحيط بي، حيث لم أتعرض للعنف أو الإهانة في المنزل.. لكن شيئاً ما كان يجعلني أشعر بالقلق والخوف دائماً.. كنت أخشى دائماً مجالسة الآخرين ولا أعرف كيف أتحدث أمامهم.. حتى أنني أصبحت منطوية ومنعزلة وقليلة الصداقات بسبب هذا الأمر..

وما زاد حدة الأمر أن الجميع في أسرتنا كان يتخذني مادة للسخرية نظراً لسرعة ارتباكي وضعف شخصيتي.. فقد كنت مشهورة بأنني أكثر من يحطّم الأواني ويدلق السوائل على المائدة.. حتى أنني أصبت بإحراج شديد يوم أن عرضت علي ابنة عمي أن أساعدها في صب القهوة لبعض الضيفات فقالت لي وهي تضحك بخبث:
- لا حبيبتي مي.. حتى تكبين القهوة عليهم وتحرقينهم مساكين؟!


حين كنت في المرحلة المتوسطة.. كنت شديدة النحف.. مما جعل نحفي سبباً آخر لإحساسي بالنقص عمن حولي، كما ساهم في إظهار ضعفي وارتباكي الدائم.. فزاد هذا من مشكلتي وجعلني أنطوي أكثر بعيداً عن نظرات الاستهزاء أو العطف.. وحين كبرت ودخلت المرحلة الثانوية.. تحسنت حالتي بعض الشيء، لكنني كنت لا أزال أشعر بأنني دائماً الأضعف.. وأن الآخرين أقوى مني وأفضل مني.. فحين تتكلم الفتيات عن موضوع ما وأود مشاركتهن أجد لساني عاجزاً عن الحديث فأتلعثم في كلامي وأقلب الكلمات والعبارات بشكل مضحك فيتحول انتباههن للضحك على أخطائي فيحمر وجهي وأزداد إحراجاً وأتمنى لو لم أنطق بحرف..

وحين تخرجت من الثانوية.. ازداد وضعي سوءاً.. فلم أعد أحضر اجتماعات أقاربي إلا نادراً وتحت إلحاح أمي الشديد.. وبقيت حبيسة غرفتي أقرأ وأطالع الكتب علها تغنيني عن وجود صديقة في حياتي..

لكني بدأت أشعر حقاً بالمرض.. لقد أدت بي هذه العزلة لمزيد من القلق والخوف من مواجهة الآخرين.. فأصبحت أشعر برعشة في أطرافي حين أضطر للجلوس مع ضيفة ولا أستطيع رفع نظراتي عن الأرض من شدة الارتباك..

لم أعد قادرة على الحديث حتى مع أفراد أسرتي فقد بدأت اللعثمة تزداد في كلامي وأصبحت أشعر بأن الجميع يهزأ بي وينتظر أخطائي حين أتكلم..

كنت أعلم أنني مريضة وأن بي خللاً نفسياً يمكن علاجه.. ولكن أحداً لم يراع ذلك بي.. لقد ازداد استهزاء أهلي بي دون أن يعلموا أن هذا يزيد حالتي سوءاً.. كانوا يعتقدون أني أفعل هذا بإرادة مني، ولم يقدروا يوماً العذاب الذي أتعذبه داخل نفسي بسبب هذه المشكلة.. لم يستوعبوا يوماً أني أقضي ليالٍ طويلة وأنا أبكي لأني لم أستطع شرح عذري لشخص أو لأنني تسببت في ضحك الجميع على تصرف قمت به..

إنه أمرٌ مؤلم.. مؤلم بشكل لا يمكن وصفه.. أن تشعر أنك مخلوق ضعيف.. وأن الناس كلهم أعداءك.. ولا يفهمونك ولا يتركون لك المجال لتثبت نفسك أمامهم..

لكن أهلي لم يقدروا الألم الذي أعيشه.. ولم يسعوا مرة لأن يفهموني..

كنت أشعر بالوحدة والغربة في قعر بيتي.. فالجميع مشغول.. أبي بعمله وخروجه المستمر.. وأمي بعملها وزياراتها العائلية.. وأخوتي بلعبهم وبالكمبيوتر..
وأنا الوحيدة في هذا البيت التي تعيش دون أن تتحدث مع أحد أو يتحدث معها أحد..


وبعد سنوات مريرة من المكوث في البيت.. بدأت أشعر بنظرات الناس تزداد قسوة.. (لماذا لم تتزوج؟) .. (هل ترفض الزواج؟) .. (مسكينة.. لا دراسة ولا عمل ولا زواج؟!)

شعرت بالأنصال الحادة تمزق قلبي وكأن هذا هو ما ينقصني.. المزيد من الاستهزاء والاحتقار..

عندها شعرت بأني بدأت أصاب بعقدة نفسية حقيقية وبخوف شديد جداً من مقابلة الناس.. أصبحت أكرههم وأخاف من الجلوس معهم لدرجة الرعب..

وذات مرة حين حاولت أمي إجباري على النزول للسلام على بعض القريبات في منزلنا.. رفضت ثم أخذت أبكي وحين ازداد إصرار أمي.. أخذت أصرخ بقوة لم أصرخ مثلها من قبل.. فقد شعرت أني لو سقت إلى الموت لكان أرحم على قلبي من أساق للجلوس مع الناس الذين أخاف منهم وأكرههم.. وحين رأت أمي الرجفة التي سيطرت عليّ انتابها ذعر شديد.. ولم ألبث حتى شعرت بأنفاسي تتوقف من شدة التأثر والخوف والصراخ..

حاولت أن أسترد أنفاسي لكني لم أستطع..

كنت كمن يغرق ويبحث عن نفس واحد.. دون جدوى..

أيقنت أن الموت قريب مني جداً.. وضعت إحدى يدي على عنقي وأخذت أشير بيدي لأعلى أطلب نفساً وأنا أرى أمي تبكي وكأني في حلم.. وكان وجهها الباكي آخر ما رأيت.. ثم.. وقعت في إغماءة..

وحين أفقت.. كنت في المستشفى.. حيث كل شيء أبيض..

وعرفت من أبي الذي كان ودوداً جداً معي.. أني أصبت بانهيار عصبي حاد.. وأن طبيبة نفسية ستشرف على علاجي.. شعرت لأول وهلة بطعنة حادة.. طبيبة نفسية؟.. لماذا.. هل ينقصني أن ينعتني الناس بالمجنونة؟!

لكن تمالكت وقررت خوض التجربة..

كانت طبيبة حنونة وطيبة.. وكانت تذكرني دائماً بالله وبالأجر الذي ينتظرني على احتسابي لهذا الابتلاء.. أشعرتني بأني قوية وأني قادرة على تجاوز كل هذا.. وكل ما أحتاجه هو فقط شيء من الإرادة والعزم..

وحين سألتني.. لماذا يا مي؟ لماذا تركت نفسك تعانين من هذا الرهاب الاجتماعي الحاد طوال تلك الفترة دون علاج؟ طأطأت رأسي وأخبرتها أن أحداً لم يساعدني ولم يقدم لي العون.. إن أحداً لم يستمع يوماً لي ولم يناقشني في سبب مشكلتي.. لذا لم أعرف كيف أواجه هذا المرض الذي أخذ يزداد مع انعزالي عن الآخرين..

وضعت الطبيبة أوراقها جانباً على سريري.. ثم قالت..
إن المسألة يا عزيزتي ليست في من يدفعك نحو القرار.. إنه قرارك أنت.. لو أصبحت صديقة لنفسك وواجهتها بهذه المشكلة من قبل لعرفت أن الحل سهل جداً بإذن الله.. لقد كان أمامك خيارين: إما مواجهة نفسك وتقوية شخصيتك مع الاستعانة بالله.. وإما بالبحث عن طبيبة نفسية صالحة تفرغين لديها ما تشعرين به من رهاب.. إنها مشيئة الله أن تتأخري في العلاج لكن من رحمته أن استطعت الآن البدء بتجاوز هذا المرض ولله الحمد..


ومع تكرر جلسات العلاج.. بدأت أشعر بتحسن كبير.. لم يكن التحسن راجعاً للعلاج ذاته ولكن للثقة التي بدأت الطبيبة تزرعها في نفسي.. كما كان لحديثي المتواصل معها أثر في تحسن أسلوب حديثي..

لقد تغيرت حياتي بعد ذلك.. خاصة حين التحقت بدورة الإلقاء التي نصحتني بها الدكتورة.. والتي شجعتني على تنسيق أسلوب حديثي..

لم يتغير شيء من حولي.. فأبي وأمي لم يتغيرا كثيراً.. لا زالت الفجوة بيني وبين أسرتي كبيرة.. ولا زلت أشعر أن أحداً لا يفهمني.. لكني عرفت معاني أجمل للحياة..

وعرفت أنك ترى الحياة كما يصورها لك عقلك أنت..

لم تكن حياتي هي الأفضل لكنها لم تكن الأسوأ.. وهذا ما لم ألتفت إليه..

لقد كانت لدي الكثير من المميزات لكني لم أكن أرى سوى عيوبي فصرت أشعر بالنقص والضعف..

أما الآن.. فقد اختلفت الصورة.. وأصبحت أحاول النظر للمميزات وللجانب الأفضل.. وأدعو الله أن أبقى هكذا حامدة شاكرة متوكلة على الله.. مهما ساءت الظروف..






 

 

  رد مع اقتباس
قديم 10-15-2007, 06:48 PM   رقم المشاركة : 7
محمد الطائي
:: Shut Gun ::

Be Safe




!..معلومات إضافية ..!

الجنــــس
مركز تحميلي

مزاجي

تبرع لـ محمد الطائي

أرسل هديه لـ  محمد الطائي

!..الهدايا ..!
 

  محمد الطائي غير متواجد حالياً

 
!..My SmS ..!
 

هم يحسدوني على موتي فواسفا ×× حتى على الموتِ لا أخلو من الحسدِ


 

افتراضي


 
 
- 7 -

بيت المشاكل

- عنيييييييييّد.. الحقي..
- خير؟ بسم الله.. ماذا هناك؟


- جدتي سوف تأتي غداً..
- ماذا؟ كاذبة!


- والله العظيم لقد سمعت أبي يقول ذلك وهو يكلم عمي على الهاتف.. والله العظيم!

سقط الكتاب الذي كنت أدرس فيه من يدي لا إرادياً.. ووقفت مصدومة لا أعرف ماذا أقول..
- لا يمكن.. إنها لم تمض هناك سوى شهراً واحداً فقط.. لماذا تعود بسرعة.. يا ربي!


أخرجت أريج كيساً من الشيبس من دولابها وبدأت تقرض فيه كالفأرة بصوت مقرمش مزعج وهي تبحث بين ملابسها عن شيء ما بلا مبالاة بينما كنت غارقة في دوامة من التفكير.. كان الحزن يتوشحني لدرجة أني لم أستطع حتى أن أتكلم.. فأنا أعرف جيداً ماذا يعني قدوم جدتي إلينا..
في المرة الماضية حدثت مشكلة كبيرة بين أبي وأمي بمباركتها.. وكادت أمي أن تطلق بسببها.. وعادت جدتي لمنزل عمي في جدة وقد حلفت ألا تدخل بيتنا مرة أخرى... فكيف الآن تعود.. يا الله..!
إن الاختبارات على الأبواب.. فما بالها تأتي الآن لتسحب معها المشاكل..


- عنود!! هل أخذت علبة عصيري؟
- اغربي عن وجهي.. هل هذا وقته..


- أقول هل أخذت عصيري؟
شعرت برغبة في أن أضرب أريج لكني تمالكت نفسي فلست في حاجة لمزيد من المشاكل في هذه الفترة..
تعوذت بالله من الشيطان الرجيم.. ثم قلت وأنا أضغط على أسناني..
- أريج!.. لم أر علبة عصيرك.. أحلف لك!.. أرجوك اتركيني لوحدي واخرجي من الغرفة فرائحة البطاطس بالكاتشب هذه تشعرني بالقرف..!

مدت أريج لسانها المليء ببقايا الشيبس عليّ وخرجت أخيراً.. فأغلقت الباب خلفها..

يا ربي.. والله.. لقد تعبت.. لا أحد يشعر بي ولا بألمي..
الجميع يعيش على أعصابه في هذا البيت المليء بالمشاكل..
أمي والخادمة.. مشاكل وصراخ..
أبي وأمي.. مشاكل وصراخ..
أمي وجدتي.. أبي وأخي.. أنا وأختي.. كلنا.. تسود علاقتنا المشاكل والصراخ..
لقد تعبت.. دائماً نعيش في خوف وقلق.. دائماً نترقب وقت دخول أبي بمنتهى الخوف والتوجس حتى لا تثار أية مشكلة من قبل أي طرف معه..
نموت خوفاً حين يبدو الغضب على أبي..
ونموت خوفاً حين تبدو الدموع في عيني أمي..
ونموت خوفاً حين نسمع جدتي وهي تصرخ على أبي..
يا الله.. متى.. متى أتزوج وأترك هذا البيت الكئيب وأرتاح.. لقد سئمت وتعبت.. أخذت أبكي بحرقة.. وفجأة سمعت الباب يطرق.. جففت دموعي وعدلت من هيئتي وأسرعت أفتح الباب.. كان أبي.. قال لي بلهجة صارمة..
- ماذا تفعلين؟
- لا شيء.. أدرس..
- اتركي دراستك الآن.. واذهبي لتجهزي غرفة جدتك.. نظفيها جيداً.. وأحضري منقلة جدتك من المخزن.. وجهزي لها الأغطية الصوفية.. هيا بسرعة.. فأمك مزاجها معكر اليوم..
ابتلعت ريقي بصعوبة.. كان غاضباً جداً.. وبدا أنه قد بدأت مشكلة بينهما قبل قليل.. لابد أن أمي تبكي الآن.. يا الله..!
نزلت بسرعة وأنا أشعر أني أحمل الدنيا على رأسي..
وأثناء تجهيزي للغرفة.. كنت أفكر.. يا ترى.. من هو السبب؟.. من سبب المشاكل التي نعيشها.. أهي أمي العنيدة الهادئة.. أم أبي العصبي الغضوب.. أم جدتي اللحوحة الكثيرة التذمر والشكوى.. أم.. من؟
لماذا لا نكون مثل الآخرين.. مثل بعض الأسر التي تعيش في سعادة وهناء وراحة.. تحيا في تناسق وانسجام ومحبة..؟
واستغفرت الله في سري.. فما كان لي أن أعترض على قضائه وقدره.. الحمد لله على كل حال..


× × ×

وفي المدرسة.. كان شبح المشاكل الرهيب يدور حولي طوال اليوم..
كنت أفكر في الفيض القادم من المشاكل والذي سيهطل كالعادة مع قدوم جدتي.. ولم أستطع أن أركز في أية كلمة قالتها أية معلمة..
- العنود.. يا دبة.. ألن تنزلي للفسحة معنا؟
- كلا شكراً.. أشعر أني متعبة.. سأجلس اليوم في الفصل..
- بلا سخافة!.. (تتدلعين) علينا؟!
كنت فعلاً متعبة نفسياً وأنا أفكر في تلك المشاكل الرهيبة القادمة.. فلم أرد على تهاني.. كنت أعلم أنها فتاة مزوح لا يمكن لأحد أن يجالسها ويتوقف عن الضحك.. وأنا لم أكن مستعدة لها اليوم..
توقعت أن تخرج بسرعة.. لكنها اقتربت مني.. ونظرت إلي بهدوء.. ثم جلست قربي..
- العنود.. ما بك؟ لست طبيعية اليوم..
- لا شيء.. متعبة قليلاً..
- كلا!.. عيناك تقولان أن هناك شيئاً في البيت..
- كيف عرفت؟
- أشعر أني أعرف هذا الشعور..
- أنت؟
- نعم أعرفه جيداً..
كانت تهاني تتكلم بهدوء لم أعهده منها من قبل.. لم أتوقع ذلك.. تهاني تعاني مثلي من مشاكل؟!
سكتت قليلاً.. ثم قالت بلهجة ساخرة..
- يوووووه.. بيتنا مليااااان مشاكل.. نفكر نبيع منها..
- تهاني.. أنت لا تعرفين.. أبي وأمي بينهما دائماً مشاكل وشجار.. أبي دائماً يثير الخوف والقلق فينا.. وجدتي.. لا تعرفين مشاكلها وجو القلق والحزن الذي تجعله يسود البيت بسبب كلامها هداها الله..
نظرت إلي طويلاً وكأنها تفكر فيما إذا كانت ستقول ما تقوله أم لا..
- طيب.. ما رأيك؟.. أنا أبي.. يضرب أمي.. هل يضرب أبوك أمك؟ .. أبي يضربني حتى الآن.. هل يضربك أبوك؟.. وخذي هذه.. أبي طرد أخي من البيت منذ شهرين ونحن لا نعرف عنه شيئاً حتى الآن.. ما رأيك؟ هل لديك مثل هذه المشاكل؟ لدي الكثير غيرها إن أردت..
صمت وأنا منذهلة تماماً مما قالته.. هل يعقل.. لا أصدق.. تهاني.. تعاني من هذه المشاكل.. ما أعرفه أن أمها هي وكيلة مدرسة.. وهي فتاة مرحة بشوشة.. لم أتصور أنها تعاني من كل هذا الحزن.. يا حبيبتي يا تهاني.. نظرت إليها بعطف وأنا غير مستوعبة لما قالته..
وحين شعرت أن الموضوع قد يأخذ طابع الحزن قالت فجأة بنبرة أعلى وهي تبتسم وتضرب على كتفي واقفة..
- لا يضيق صدرك..
عااااااااادي.. كل بيت فيه مشاكل من نوع مختلف.. احمدي ربك أنت أحسن من غيرك..
- الحمد لله..
- بعدين كل مشكلة فيها فائدة.. يعني شوفيني.. لو ما كان عندي مشاكل.. ما كان صار دمي خفيف عشان أضيع السالفة!!
- يا سلام؟!..
رن الجرس معلناً انتهاء الفسحة.. فابتسمت لها وأنا أحمل لها حباً كبيراً..
وأثناء الحصة كنت أفكر.. فعلاً.. صدقت تهاني.. أنا أحسن من غيري.. فوالدي رغم كل شيء لا يضربنا.. ولم يضرب أمي يوماً.. وهو لا يحرمنا مما يستطيع توفيره لنا.. الحمد لله.. حتى مشاكل جدتي تهون عند مشاكل غيرنا..


× × ×

حين عدت إلى البيت.. كانت أمي قد وضعت الغداء للتو وقد حضرت جدتي.. سلمت عليها وجلست آكل بينما بدأت جدتي لمزاتها..
- الأكل مالح.. ما تدرين أنه فيني ضغط..
فردت أمي..
- والله يا خالة ما حطيت ملح إلا شوي..
- يعني أنا كذابة؟.. أقول مالح.. ما ينوكل!
أكملت طعامي وقمت لغرفتي وأنا أردد.. الحمد لله.. مهما تكن من مشاكل.. فهي أهون من مشاكل غيري..!









 

 

  رد مع اقتباس
قديم 10-15-2007, 06:50 PM   رقم المشاركة : 8
محمد الطائي
:: Shut Gun ::

Be Safe




!..معلومات إضافية ..!

الجنــــس
مركز تحميلي

مزاجي

تبرع لـ محمد الطائي

أرسل هديه لـ  محمد الطائي

!..الهدايا ..!
 

  محمد الطائي غير متواجد حالياً

 
!..My SmS ..!
 

هم يحسدوني على موتي فواسفا ×× حتى على الموتِ لا أخلو من الحسدِ


 

افتراضي


 
 
- 8 -
بيتي ليس هنا




يا الله يا عيال.. يالله.. سنذهب للبيت الجديد..
هكذا كان أبي ينادينا فنتقافز فرحاً ونسرع لنحضر عباءاتنا ونتسابق نحو السيارة.. بينما أمي تصرخ..
- دلييييييييييّل.. عندك اختبار.. وين تروحين؟
فأعود أدراجي وعباءتي تطير خلفي لأمسك بكتابي وأحضره معي حتى تكف أمي عن تأنيبها، فأشير إليها به (سأدرس هناك!).


ولا يخلو زحامنا في السيارة طبعاً من المعارك والصراخ.. لكن أكثر ما كان يغيظني هو حين تقوم شوق الصغيرة بسحب (غطوتي) لتثير غضبي.. فقد كنت لا أزال في الصف الأول المتوسط وكنت فرحة جداً بارتداء غطاء الوجه لأعلن أني أصبحت كبيرة ومثل بقية النساء..

- يبه.. شوف شويق الـ (..) ذبحتني تسحب (غطوتي)!


- الله يصلحكم.. هل تسكتون أم نعود للبيت؟!


- لاااااااااااااااا.. خلاص... نسكت.. نسكت..


كانت رحلتنا الأسبوعية للبيت الجديد الذي نبنيه هي أشبه برحلة خيالية نطل منها على عالم أحلامنا الجميل.. كنا ننتظرها على أحر من الجمر لننطلق في جوانب البيت وروائح رطوبة الاسمنت تعبق أنوفنا.. نصعد الدرج أو ننزل ونتراكض نحو غرفنا المستقبلية لنتناقش ونتجادل..

- هنيّد.. اسمعي.. شوق سوف تكون معك في غرفتك..


- يا سلام؟!.. لا.. شوق معك أنت..

- لا.. أنت الكبيرة.. يجب أن تكون شوق معك حتى تعتنين بها..


- بالعكس أنا الكبيرة يجب أن تكون لي غرفة لوحدي..


- يعني تريدين أن تكون شوق مع كل ألعابها وملابسها و(حوستها) في غرفتي.. حرام عليك.. غرفتي صغيرة.. انظري غرفتك أكبر..



- ليس من شأني..!


- حسناً سوف أقول لأبي..


وأذهب لأبي لأجده يتفقد نوافذ بعض الغرف ويتأكد من جودة البناء..


- يببببببببببه.. اسمع..


- بسم الله! ماذا هناك؟


- اسمع.. هنيّد تقول أن شوق يجب أن تكون معي في غرفتي.. وأنا لا أريد.. حرام غرفتي صغيرة أريدها لي وحدي.. هند غرفتها أكبر.. ممم.. ثم.. هند هي الكبيرة.. هي التي تعرف كيف تتعامل مع شوق أما أنا فبالتأكيد سأتضارب مع شويّق طوال الوقت.. أرجوك يا أبي..


- إممم..


ويلتفت أبي نحو النافذة ليتحسسها ثم يقول..
- لم يثبتوا الإطار جيداً..!


- يببببببببه!


- اصبري..


ويخرج خارج البيت ليحادث الحارس.. ويتركني أغلي من شدة الغضب على هند..


* * * *


كنا نسكن في بيت قديم جداً في حارة قديمة.. وكان ذلك أمراً يضايقنا بشدة.. نفسياً واجتماعياً.. فقد كان البيت قديماً لدرجة وجود العديد من التصدعات فيه.. كما أن المياه كانت تتسرب من الحمامات – أعزكم الله.. وكانت الصبغة - رغم كل محاولات التجديد – تتقشر بشكل قبيح على الجدران..


وكنا نشعر بالحرج من دعوة أي شخص لبيتنا.. حيث كل شيء يوحي بالقدم.. كما كان الحي سيئاً وشعبياً حيث الشوارع المليئة بالمياه المنتنة وبراميل القمامة الملقاة على الأرض.. والجيران سيئوا الأخلاق لا يراعون حقاً للجيرة.. فطالما نالنا من شرهم وأذاهم الشيء الكثير..


كنا نبكي أحياناً حين نشعر بالحرج من بيتنا.. خاصة حين نشعر بالحاجة لدعوة صديقاتنا أو لعمل حفلة بسيطة لكننا لا نستطيع لأن بيْتنا لم يكن ملائماً..


لذا كان البيت الجديد بالنسبة لنا الحلم المنقذ.. وقصر المستقبل الذي ننتظره.. وكنا نعد الأيام لنخرج من بيتنا المهترئ للبيت الجديد الذي يبنيه والدي.. وكنا نتحادث كثيراً حوله في ليالي الانتظار الطويلة حين نخلد لأسرتنا.. فتقول هند..


- حين نسكن بيتنا الجديد إن شاء الله سأدعو كل صديقاتي..


- نعم.. وسأجعل صديقتي مروة تصعد لغرفتي لتراها.. أريد أن تكون غرفتي شقة متكاملة..
سأضع فيها أريكة للضيوف.. وثلاجة أضع فيها كل ما أحب من حلويات.. ممم.. وسأضع مسجلاً لأسمع أشرطة أناشيدي المفضلة دون أن أزعج أحداً معي في الغرفة.. يا سلاااااااام..


- ومن أين لك المال اللازم يا حلوة؟


- إنني أوفر منذ عامين.. لدي الآن.. ثمانمائة ريال.. وخلال سنة إن شاء الله سيصبح لدي ألف ومئتين أو ألف وخمسمائة حسب غزارة العيديات هذه السنة..


* * * *


كان من المفترض بإذن الله أن ينتهي بيتنا خلال سنة.. لكن فجأة.. ألمت بوالدي أزمة كبيرة.. فقد كان قد أعطى مبلغاً كبيراً للمقاول.. وإذا بالمقاول يهرب بالمال.. دون أن يعطي العمال ولا أصحاب المواد حقهم.. كان من المفروض أن يكفي هذا المال حتى إكمال البيت.. لكن هروب المقاول واختفاءه سبّب أزمة هائلة فأصبح الجميع يطالب أبي بالمال.. حيث أن المقاول قد خدع أبي بطريقة ما وجعله المسؤول عن دفع الحق للجميع.. وقد وصل الأمر لدرجة استدعاء أبي من قبل الشرطة عدة مرات..


بدا أبي متماسكاً في البداية.. أو حاول أن يكون كذلك رغم قوة الصدمة.. لكنا فوجئنا ذات يوم بصراخ ماجد الذي كان لا يزال في السادسة من عمره وهو يدخل علينا في المطبخ..


- يمممممممممه.. الحقي.. أبوي مات!


لا أزال أذكر هذه العبارة ترن في أذني.. أذكرها جيداً..


أسرعنا نجري نحو الفناء وأمي غير مصدقة..
فوجدنا أبي قد وقع أرضاً قرب الباب وهو يمسك قلبه.. اتصلنا على خالي الذي أتى مسرعاً ونقل أبي للمستشفى.. وعلمنا أنه أصيب بجلطة..


كان أبي المسكين يكابد الألم والمرارة بسببنا..
فالحل الوحيد أمامه للخروج من هذه الأزمة كان هو بيع البيت.. لكنه لم يرغب أن يحطم أحلامنا التي كنا نعيش ونتنفس عليها.. لم يشأ أن يضيع في لحظة كل ما تمنيناه في حياتنا.


لم يعلم أبي أنه كان أهم بالنسبة لنا من كل هذه الأحلام، وأن كل شيء يهون ويصغر أمام صورة أبي الحبيب..


وبعد أن تحسنت حالة أبي.. أقنعناه ببيع البيت برضانا.. وبالفعل.. باع أبي البيت.. ليسدد ديونه..


في تلك الليلة التي أخبرتنا بها أمي أن أبي باع البيت فعلاً.. صليت صلاة الوتر.. ثم أطفأت الأنوار وألقيت نفسي في سريري.. وأخفيت رأسي تحت الوسادة وأخذت أبكي.. وأبكي بكل حرقة.. لقد فقدت أجمل أحلامي.. فقدت البيت الذي كنت أرسم صورته منذ أعوام في ذهني.. فقدت الغرفة الوردية الجميلة التي كنت أعيد ترتيبها كل ليلة في مخيلتي.. فقدته للأبد.. لم يعد هناك بيت جديد جميل.. سنبقى هنا بقية عمرنا، سنبقى في هذه الغرفة الضيقة التي تتسرب المياه من سقفها، حيث ثلاثة أسرة ومكتبة قديمة ودولاب تساقطت أبوابه..


بكيت وبكيت كثيراً حتى ابتلت وسادتي ونمت..


وفي المنام.. رأيت رؤيا لم أرى مثلها في حياتي.. لا تزال بكل صورها وأصواتها عالقة في ذهني وكأني أراها الآن.. رأيت كأني واقفة في مروج عظيمة خضراء تمتد إلى الأفق.. وبينما أنا أنظر إلى تلك المروج.. شعرت بمن يناديني باسمي.. دلال.. وإذا بشخص لم أره.. أحسست فقط بشبح أبيض أمسك يدي.. وقال لي تعالي أريك.. وإذا بي أرى بيتاً صغيراً جميلاً على جسر بين جبلين.. كان بيتاً صغيراً لكنه يقع بشكل غريب على جسر متحرك يهتز بين جبلين وكنت أشعر في كل لحظة أن ذلك البيت سيقع وينزلق من على الجسر نحو الهاوية وكأنه موضوع هنا بشكل مؤقت.. شيء غريب..
قال لي.. هل تريدين هذا؟ فسكت لأني كنت محتارة.. البيت جميل لكن مكانه خطر سينزلق ويذهب في أي لحظة..
فقال هو.. كلا.. تعالي أريك.. فإذا بي كأني أطير لأعلى وأرى من بعيد في أقصى المروج قصراً رائع الجمال.. لا أستطيع أن أصف ولا حتى جزءاً من جماله.. به حدائق خضراء ومسابح وزهور.. ولا أعرف كيف أصبحت أنظر إلى داخله من بعيد فإذا بي أرى الصالات الرائعة والأرضيات اللامعة والنوافذ الكبيرة والشرفات التي تطل على الحدائق الخضراء والغرف الجميلة.. بهرت وأنا غير مصدقة..
وسمعت الصوت يقول لي.. هذا بيتك.. لكن ليس الآن..



واستيقظت على صوت أمي توقظني لصلاة الفجر..


كنت أتنفس بشدة وكأني كنت أطير فعلاً قبل قليل..


- دلال؟! ما بك؟..


- يمه.. يمه..!


من شدة فرحتي بذلك الحلم الجميل كنت أتنفس بصوت عال.. حتى خافت علي أمي.. لم أعرف ماذا أقول.. وبلا وعي مني رميت نفسي على أمي أحضنها.. كنت أبكي بانفعال حتى كادت أمي أن تبكي معي وأخذت تذكر اسم الله علي وتعيذني بالله من الشيطان..


- اسم الله عليك.. ماذا هناك.. بم حلمت؟


سكت لفترة وأنا أفكر ماذا أقول.. وفي لحظات بسيطة.. قررت أن يكون هذا الأمر سراً خاصاً بي..
- لا شيء.. حلم مخيف فقط.. الحمد لله لا شيء..


ومنذ تلك اللحظة.. لم أبك على بيتنا الذي فقدناه.. أصبحت أنظر لكل هذه الدنيا كذلك البيت المتزحلق فوق الجسر.. إنها مجرد دنيا فانية ستزول في أي لحظة.. إننا لا نعرف متى نموت ونغادر هذه الدنيا تاركين كل متعها..
لكن النعيم الحقيقي والمنزل الحقيقي الذي علينا أن نبنيه ونخطط له هو هناك.. في الدار الآخرة.. حيث النعيم الأبدي..


ومنذ تلك الليلة أصبحت أسترجع شكل ذلك القصر الباهر الذي رأيته فأنسى كل أحلامي وآلامي في هذه الدنيا، وأسأل الله بيتاً في الجنة.






 

 

  رد مع اقتباس
قديم 10-15-2007, 10:50 PM   رقم المشاركة : 9
محمد الطائي
:: Shut Gun ::

Be Safe




!..معلومات إضافية ..!

الجنــــس
مركز تحميلي

مزاجي

تبرع لـ محمد الطائي

أرسل هديه لـ  محمد الطائي

!..الهدايا ..!
 

  محمد الطائي غير متواجد حالياً

 
!..My SmS ..!
 

هم يحسدوني على موتي فواسفا ×× حتى على الموتِ لا أخلو من الحسدِ


 

افتراضي


 
 
- 9 -

ليلة طلاقي

وقفت طويلاً أمام الباب الذي طالما طرقته وفتحته.. لكن هذه المرة مختلفة.. مختلفة جداً..
نظرت إلى الساعة.. إنها الثانية عشرة إلا خمس دقائق ليلاً..
شعرت بالخوف.. والخجل من نفسي..
ماذا سأقول.. لأمي.. أبي.. يا ربي أعني..
حاولت أن أبتلع دموعي المالحة.. وأخذت نفساً طويلاً لأستطيع الحديث..
شعرت بالتردد والخوف الشديد مما أقدم عليه.. بل شعرت بالحزن على والديّ.. أشفقت عليهما وعلى نفسي..
نظرت خلفي لعلي أتراجع وأعود.. فإذا به قد ابتعد بسيارته ينتظرني أن أدخل بأسرع وقت ليغرب عن وجهي..
أمسكت مقبض حقيبتي جيداً.. وطرقت الجرس.. مرة أخرى طرقته ولا مجيب.. لابد أنهم نائمون..
يا ربي..
وبعد عدة دقائق.. فتح أخي الباب..
- ماذا هناك؟ خيراً إن شاء الله؟!
لم أعرف ماذا أقول.. هل أتصنع وأذكر أسباباً واهية أم أواجهه بالحقيقة..
- لا شيء.. غداً أخبركم بما حصل..
سكت أخي وهو مستغرب بينما مضيت لغرفتي أسحب حقيبتي.. وشيئاً من فتات نفسي المحطمة.. التفتُّ إليه..
- ششش!.. أرجوك لا توقظ أمي ولا أبي..
ودخلت غرفتي وأنا منهكة تماماً.. منهكة من الألم والخيبة..
نظرت إليها.. لأول مرة أرى غرفتي دافئة وآمنة بهذا الشكل..
كانت مرتبة نظيفة وكأنها تنتظرني لتحضنني..
أحكمت قفل الباب..
ورميت نفسي على سريري لأرتاح.. ولحظتها شعرت أني أدخل دوامة كبيرة..
كنت غير مصدقة لما حصل..
كانت الكلمة تتردد في ذهني كصدى من حلم مخيف وتدور بي بشدة.. (أنت طالق.. طالق..)..
حاولت أن أسترجع الأحداث لكنها كانت لا تصدق.. وكأنها مقطع من فيلم كرتوني خيالي.. لا يمكن..! قبل ثلاثة أشهر فقط.. كنت هنا.. الابنة المدللة.. نعم.. طفلة والديها.. لديها ألعاب وكراسة رسم وألوان كثيرة..
لمحت دفاتري الصغيرة على الرف ومذكراتي هنا وهناك.. وهذه الألعاب والتحف اللطيفة.. لا زالت موجودة..
كنت مجرد فتاة صغيرة بريئة.. لا تعرف عن عالم الكبار أشياء كثيرة..
والآن.. ماذا حدث؟ هل يمكن.. أنا مطلقة..؟! هكذا؟!
شعرت بألم في صدري.. في قلبي تماماً حين تخيلت الصدمة.. آآآآه.. كم هي مؤلمة..
أحتاج من أبكي بين يديه.. وأبكي وأبكي..
دفنت رأسي في وسادتي وبكيت حتى شعرت أن جسمي كله يرتعش من الألم..
وبعد أن ارتويت من الدموع.. بدأت أفكر بما آلمني أكثر..
كيف أواجه أهلي.. ماذا أقول لهم.. كيف أشرح لهم ما حصل وكيف صبرت عليه وعلى تصرفاته الطائشة منذ أول يوم؟.. كيف سأواجه نظرات الآخرين وفضولهم؟.. زميلاتي في الجامعة.. إنهن يعتقدن أني سعيدة تماماً في حياتي فكيف أخبرهن..
كيف أخبر أعمامي وخالاتي.. كيف أواجههم؟ بل كيف أواجه بنات أعمامي وأخوالي؟
يا ربي ثبتني.. يا رب..
لم أشعر بالحاجة الماسة لمن يحتويني ويمسح على رأسي بحنان كما احتجته ليلتها.. لمن أشكو؟ لمن ألجأ؟
بكيت طويلاً لكني وجدت أن البكاء يزيد ألمي ولا يخففه.. ففي كل نوبة بكاء طويلة كنت أشعر بآلامي تتجدد وجروحي تنزف أكثر.. وتظهر المزيد من المواقف المؤلمة أمام عيني.. لكني لم أكن أستطيع التوقف..
بكيت على حالي والذل الذي عانيته لأحافظ على زواجي.. وعلى حال أهلي الذين يترقبون السعادة في وجهي.. بكيت على طفولتي وحياتي التي تغيرت تماماً.. بكيت على الثمن الذي دفعته من شبابي وعمري.. وبكيت على الخناجر المسمومة التي غرسها النذل في قلبي الطاهر المحب.. وعلى كبريائي الذي أهنته من أجله كثيراً..
وكلما شعرت بالأسف على نفسي أكثر كلما بكيت أكثر..
ولوهلة تمنيت الموت..
نعم.. إنه أفضل حل للتخلص من هذا الموقف المؤلم..
تمنيت لو أموت لحظتها فأرتاح من هذا الهم.. وأريح أهلي.. ولعلي أغرس في قلبه بعض الألم فيشعر أنه السبب في موتي من شدة الحزن والقهر.. ويشعر أهله أيضاً بفداحة تعاملهم القاسي معي..
تحمست لهذه الفكرة..
وقررت أن أتوجه الآن لمصلاي وأدعو الله من كل قلبي أن يأخذ روحي الليلة..
اتجهت لحمامي في هدوء وتوضأت..
وحين عدت لغرفتي لمحت شبحاً في مرآتي.. نظرت إليه.. يا إلهي!! ما هذا.. إنها أنا!!
كان وجهي محمراً ومتورماً بشدة من البكاء.. عيناي حمراوان كالدم.. وحاجباي مرتفعان وغير مرتبان.. وأثر صفعته الأخيرة ترك زرقة على عظمة خدي.. شعري منكوش بشعر مخيف.. يا ربي.. أهذا أنا؟!
كنت أشبه الشيطان وإن لم أره!
استغفرت الله!.. ولم أعرف هل أضحك أم أبكي؟!
أمسكت المشط وسرحت شعري وربطته..
وشعرت بالحاجة لوضع شيء من عطر.. فتحت الدرج.. كان هناك زيت زهور اللافندر الذي أحبه.. وضعت شيئاً منه فأشعرني براحة واسترخاء.. يا سلام..
ضحكت في سري.. هذه حصوص التي أعرفها..!
نسيت أني كنت متوجهة لسجادتي..
ذهبت إليها.. ارتديت ثوب صلاتي.. وحين وقفت لأصلي أخذت أفكر..
هل أطلب من الله فعلاً أن يأخذ روحي؟!
أليس هذا عيباً.. أن أيأس وأقنط من الحياة بهذه السرعة.. وبسبب من؟ بسبب إنسان حقير لا يستحق شعرة من شعر رأسي الجاف؟!
سبحان الله.. لقد سمعت يوماً أن الروح ملك الله وليست ملكنا.. وعيب أن ندعو الله لأخذها وكأننا نطلب منه أن يسترد هبته وهديته سبحانه..
لكن طالما أنا هنا وفي مصلاي.. لم لا أطلب منه سبحانه أن يثبتني ويطمئن قلبي ويوفقني لما فيه خيري.. وأن يرزقني زوجاً خيراً من ذلك الزوج..
صليت ركعتين حاولت أن أخشع فيهما.. فشعرت بطمأنينة منعشة تروي قلبي وجوارحي وتغسل آلامي.. ما أجمل أن يشعر الإنسان أنه قريب من ربه.. أنه معه في كل مكان يسمع شكواه ويجيب دعاءه.. بقيت أناجي الله وأشكو له وأشكو من كل قلبي.. رجوته ودعوته بكل ما أريد.. وأنا هنا.. في غرفتي الصغيرة.. كنت موقنة أنه يسمعني وأنه سيجيب دعواي.. وأنه سينصرني ولو بعد حين لأني مظلومة.. فشعرت براحة.. الراحة المنبثقة من معرفتي بوجود أحد يقف معي ويساندني.. وأي أحد.. إنه الواحد الأحد.. القوي العزيز..


كنت كطفل ضائع وجد أباه في سوق مزدحم بعد أن كاد الظلام يحل وهو لا يكف عن البكاء..
(ولله المثل الأعلى).. كان هذا شعوري.. كنت خائفة وحيدة مرتبكة.. والآن.. كلا.. أنا مرتاحة واثقة بإذن الله..
حين انتهيت.. نظرت حولي.. أشرطتي الدينية.. كتيباتي.. منذ متى لم أطلع عليها؟ .. منذ زواجي.. نعم..
كم أشعر بشوق كبير لها..
أدركت حقاً أن الإنسان كلما ابتعد عن ربه كلما شعر بالضعف والوحدة مهما بدا عكس ذلك.. وكلما اقترب منه سبحانه كلما شعر بالقوة والثقة..


في الصباح كنت متماسكة تقريباً.. رويت لأهلي كل شيء بثبات.. لم أكن خائفة كثيراً.. حاولت ألا تهزني نبرة والدي الحزينة وهو يردد (لا حول ولا قوة إلا بالله).. ولا دموع أمي وهي تسمع كيف أصف لها الضرب الذي كنت أتعرض له على يده.. تماسكت بقوة حتى لا أبكي ولا تفلت مني بعض الدموع.. وحين انتهيت ضغطت على نفسي لأبتسم وأنا أقنعهم أن هذا قدر الله المكتوب لي والحمد لله أني خرجت من التجربة دون حمل وأنه طلقني من تلقاء نفسه دون أن يتعبنا معه في المحاكم.. فالحمد لله..

كانت التجربة قاسية جداً لي.. لكني اعتبرتها أقوى اختبار مر علي في حياتي.. وأرجو من الله أن أكون قد نجحت في اجتيازه.. فقد استطعت مواجهة زميلاتي وصديقاتي بوجه باسم راضٍ وأنا أحمد الله.. كما تحملت تصرفات أولئك اللاتي أثبتن رداءة معادنهن حين تركن صحبتي.. واستطعت مواجهة قريباتي وصد أسئلتهن الفضولية بكل صرامة وأدب في نفس الوقت..
أصبحت أهتم بمظهري وصحتي، وحتى ثقتي بنفسي لا أعرف كيف ازدادت بفضل الله..
واستمريت أحصد النجاح في حياتي ودراستي ولله الحمد.. والآن ها أنا ذا معيدة في كليتي.. وأحضر للدراسات العليا.. محبوبة من كل من حولي ولله الحمد.. والأهم أني محافظة على علاقتي بربي دائماً بإذن الله.. لأني أعرف يقيناً أنه هو مصدر قوتي وثباتي.. وسر سعادتي..


------------------

نعم ..
مطلقة أنا !


قلت لي محدثتي بعد أن رأتني أضحك وأمازحها: (أو تبتسمين في يوم طلاقك؟!) مستنكرة عليَّ ذلك الجرم.. الابتسام.. فإليها وإلى كل من حار هذا السؤال في دواخلها.. أقول:

وتسألني محدثتي.. وفي قسماتها لحن
الدياجي..
وبريق سيف منصرم..
ما كل ذاك الابتسام؟! وكل ذاك الحسن؟ والثوب الجزل؟!
عجبي يبدد وحشتي..!
وكأنك في يوم عرس!!
أو تضحكين بملء فيك.!
وتقفزين بلا وجل؟!..
فأجبتها:
هوناً عليك حبيبتي.. أتريدني بسواد ثوب أنكفئ في حجرتي؟
بتأوه.. وبأدمع.. أبكي القضاء.. وأقول في أنشودة:
(سأموت قهراً لا محالة)!
هذي مراسيم الشقاء وحشرجاته..
وهذه أدمعي؟!
أنا يا ابنة الأنثى كيان ماثل..
لا يبتغي التجريح والتلميح والرمي..
ما ساقني للجرح حب تسلط..
ولا رغبة في حب ذل تعتلي..
لما رأيت الحسن فارق مهجتي.. ولوحت لي ببسمتي..
مع الغروب سنلتقي...!
آثرتها وبقيت دهراً أرتقب في وحدتي.. أين الغروب؟!..
وأين معه بسمتي؟!
مرَّ الفراق يشوبه عندي أغاريد الربيع.. لينثني سم الأعاصير من دمي..
نعم معذبتي..
مطلقة أنا.. ولي من العمر.. عشرون عاماً.. ما أجملي!!
أقولها بكل فخر.. وابتغي في كربها بركات ربي!
لأنني أنا الأنثى..
أنا المثلى... رغم الأعاصير العجاف..
لا أنحني..
سأظل أرقب من بعيد.. إشراق فجري من جديد..
وأقول في مقطوعة:
رغم الألم.. يبقى الأمل..
يزهر أفانين المقل..
ويقيم للأحلام عمراً.. مشرقاً لا ينتهي..
نعم.. مطلقة أنا..
وسأبتسم..








 

 

  رد مع اقتباس
قديم 10-15-2007, 10:52 PM   رقم المشاركة : 10
محمد الطائي
:: Shut Gun ::

Be Safe




!..معلومات إضافية ..!

الجنــــس
مركز تحميلي

مزاجي

تبرع لـ محمد الطائي

أرسل هديه لـ  محمد الطائي

!..الهدايا ..!
 

  محمد الطائي غير متواجد حالياً

 
!..My SmS ..!
 

هم يحسدوني على موتي فواسفا ×× حتى على الموتِ لا أخلو من الحسدِ


 

افتراضي


 
 
- 10 -
شيء يشرق..



حملقت أمي بي وصرخت بقوة..
- بنت!! ألا تستحين؟ قومي.. بسرعة!.. ساعدي البنات في وضع العشاء..
شعرت بماء ساخن يصب على رأسي خاصة وأننا أمام زوجات أخوالي وخالاتي كما أن هناك بعض القريبات الأبعد..
قمت بسرعة وأنا أتعثر بطرف تنورتي من شدة الارتباك..
أسرعت للمطبخ وأنا أرتعش من شدة حرجي محاولة أن أخفي مشاعر كثيرة تتضارب داخلي..
كان المطبخ مزدحماً بالخادمات وببنات خالاتي..
أخذت أتساءل عما يمكن أن أفعله.. لكن أحداً لم يجبني..
تناولت طبق (السليق) الكبير من إحدى الخادمات لأحمله نحو السفرة..
كنت أجري بسرعة لأضعه على السفرة حين.. لا أعرف كيف – انزلقت قدمي.. و.. هووووب..
وجدت نفسي على الأرض.. وقد طار الصحن ليسقط على الأرضية عن يميني.. واندلق (السليق) على الأرض وتناثر في كل مكان..
تمنيت في تلك اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعني..
تعالى صراخ أمي..
- وجع!.. وجع! .. الله يفشلك يا (الرفلة)!
كانت قدمي ملتفة وتؤلمني بشدة.. لكني تظاهرت بالابتسام وعرقي يتصبب.. وضغطت على نفسي بشدة لأقوم بسرعة رغم الألم الشديد وأقفز نحو المطبخ..
أحضرت المنشفة وبدأت أمسح وأنا في قمة الحرج.. بينما أطراف ملابسي متسخة بما تناثر عليها من طعام..
كان كل من في الغرفة ينظر إلي بشيء من شفقة..
أخيراً مسحت خالتي على ظهري بحنان.. وقالت..
- لا بأس يا حبيبتي اتركي الخادمة لتكمل عنك.. أهم شيء أنه لم ينسكب عليك أو يحرقك ولله الحمد..
سحبتني من يدي.. وأنا أرتعش من شدة الحرج..


× × ×

في طفولتي.. كنت أنظر طويلاً لخالتي.. وكيف تعامل بناتها بحنان وحب..
كنت أستلذ بإحضار أي شيء لها فقط لكي أسمع منها كلمة (حبيبتي).. يا سلاااام ما أجملها.. كنت أنتشي للحظات حين أسمعها غير مصدقة.. وكثيراً ما دعوت الله أن أصبح ابنتها بأية طريقة..
وحين كنت متأثرة بقصص أفلام الكرتون في طفولتي- مثل (ريمي) و(بشّار) وغيره- كنت أعتقد أنه سيأتي اليوم الذي أكتشف فيه أن أمي ليست أمي الحقيقية بل هي خالتي الحنونة أو أم حبيبة أخرى لا زالت تبحث عني!!..
كنت أعامل نفسي كغريبة يتيمة تعيش في هذا البيت.. فلا أحد يهتم بي أو يقول لي كلمة طيبة واحدة.. الكل يصرخ علي.. والكل يعاملني بدونية وبقسوة..
كنت أراقب تصرفات بعض الأمهات مع بناتهن فأشعر بالبون الشاسع..
زوجة عمي كانت تستشير بناتها حتى في اختيار ملابسها هي.. وفي اختيار أثاث بيتهم.. كانت تثق بهن.. وتمنحهن امتيازات نادراً ما أحظى بجزء منها.. كنت أغبطهن لأنها تعاملهن كنساء ناضجات.. وتناقشهن في شتى الأمور..
وحين كنت أرى كيف كانت خالتي تعامل بناتها كنت أعود لغرفتي في الليل وأبدأ في البكاء..
كانت تحنو عليهن.. وتدللهن بأجمل الألقاب.. تمدح مظهرهن.. وطبخهن.. وذوقهن.. وتتفنن في تعزيز ثقتهن في أنفسهن مقارنة بالآخرين.. وفي كل مجلس كانت تذكر بناتها بالخير..
على العكس من أمي التي ما فتأت تنشر الأخبار عن فشلي وإهمالي مهما فعلت ومهما حاولت إرضاءها.. لقد حطمت ثقتي بنفسي تماماً..


× × ×

حين مضت الأيام والسنون.. نظرت إلى نفسي.. فوجدت أني أصبحت حطام إنسان..
إنسانة ضعيفة الشخصية محطمة جبانة.. ترتجف كلما حادثها أحد.. ترتبك عند أبسط حوار..
حتى شكلي لم أعد أهتم به.. فكلما قمت بتعديل شكلي حسب ما أراه مناسباً.. كانت أمي لي بالمرصاد فهذا لا يناسبك.. وكان من الأفضل لو قمت بذاك.. البسي مثل ابنة فلان.. ومشطي شعرك مثل فلانة..
كنت أتمنى لو أمتلك الحرية لأهتم بنفسي كما أحب لكن لم أكن أستطيع.. فقد كنت أخاف انتقادها وسخريتها بي حين أقوم بأبسط تغيير..
تزايد ضعفي وخوفي بشكل كبير.. كنت أشعر أن الجميع يحتقرني..
حين أجيب على سؤال في المدرسة.. كانت يدي النحيلة ترتجف والعرق يتصبب من جبيني بشكل ملفت..
لم يكونوا يعرفون أني لم أتمن يوماً لنفسي أن أكون هكذا.. لكنه شيء أقوى مني يحطمني ويضغط علي بقوة..


× × ×

ذات يوم.. كنت أجلس في الفسحة وحدي كالعادة.. أستند لجدار أصفر مثل وجهي الشاحب وأتناول شطيرتي.. حين مرت من بعيد معلمتي الجديدة أسماء..
كنت أنظر إليها.. ما شاء الله.. إنها شعلة من حماس ونشاط.. هي فتاة لا تكبرني سوى بأعوام بسيطة.. لكنها تفور بالحيوية والنشاط والثقة بالنفس.. لديها خطط لتطوير المدرسة وللنهوض بأنشطتها.. كلامها ممتع ودرسها مسلٍ جداً.. في عينيها شعاع سحري .. مزيج من سعادة ومرح وقوة..
حين أنظر لعينيها أشعر بأن شيئاً من سعادة تتسلل إلى نفسي.. تجعلني أتمنى أكثر لو لم أكن أنا.. بل شخصية أخرى..
كانت تقفز بخفة بحذائها الرياضي حين مرت بقربي.. فمدت عنقها نحوي بطرافة وقالت بمرح.. (أهلاً يا جميلة..!)
شعرت بصدمة.. وحرج.. من؟.. أنا؟.. جميلة؟..
التفت حولي.. واحمر وجهي خجلاً..
(ممكن مساعدة يا فجر؟.. إذا سمحت؟)
كدت أطير من الفرح.. مساعدة؟ بالتأكيد.. على الأقل ستكون أمتع من الجلوس وحدي على الأرض المغبرة..
قمت من مكاني بخجل.. ومضيت معها نحو المعمل.. كانت تريد مساعدتها في تنسيقه وترتيبه..
صعدت على الكرسي وسحبت إحدى الكراتين فتطاير الغبار منه..
(يا الله!! لا أعرف كيف مر على هذا المعمل عشرات المعلمات في مدرستكم دون أن تفكر إحداهن في ترتيبه وتنظيفه وتنسيق شكله..؟!)
لم يكن لدي ما أستطيع به تبادل الحوار معها..
فسكت بخجل..
أخذت تنزل المزيد من الكراتين وأنا أتناولها منها..
(الترتيب مهم جداً.. لا أستطيع أن أعمل إذا لم تكن غرفتي مرتبة.. كل إنسان يحتاج لترتيب أشيائه ما بين فترة وأخرى..)
أمسكت فوطة مبللة وبدأت تمسح الأرفف..
(بل.. يحتاج.. حتى لإعادة ترتيب نفسه ما بين فترة وأخرى.. أليس كذلك؟)
أشارت بيدها لأناولها منظف الزجاج..
(أليس كذلك؟)
ارتبكت وقلت.. (م.. ماذا؟)
(أليس كل إنسان بحاجة لإعادة ترتيب نفسه ما بين فترة وأخرى؟)
(ما الذي تقصدينه يا أستاذة؟)
(ألا تعتقدين أن كل منا بحاجة لأن ينفض الغبار عن نفسه ما بين فترة وأخرى يعيد بناء شخصيته وصقل أفكاره؟)
احمر وجهي قليلاً.. وقلت مختصرة عليها الطريق.. (لا أستطيع..!)
استمرت في التنظيف بنشاط، وقالت بهدوء وببساطة (لماذا؟)..
(لو كانت ظروفك مثل ظروفي لقدرتني)..


أخذت تعيد الكراتين لمكانها بترتيب وتناسق.. ثم جلست وقد أنهكها التعب.. ونظرت إلي بقوة.. وقالت..
(تعتقدين أني ولدت وفي فمي ملعقة من ذهب؟.. أو أنني كنت سعيدة في أسرة دافئة؟.. كلا.. إذا كنت تعقدين ذلك فأنت مخطئة!!..
انظري إلي.. لا تكوني ضعيفة وترمي السبب على الآخرين مثل أسرتك وبيئتك..
أنت تستطيعين أن تكوني قوية إذا أردت ذلك..
القوة.. هي شعار المؤمن ورمزه.. القوة التي أقصدها هي العزة.. والمؤمن دوماً مميز بعزته..
لا أحد يستطيع أن يحطمك أو يضعفك إذا اعتقدت أنك قوية بإذن الله وتوكلت على الله..
كوني قوية.. ولا تستسلمي لإغراء الضعف..
لا أحد سيأتي ويجعلك قوية.. أنت فقط من تستطيعين ذلك بإذن الله..)


قلت بتأثر.. (أمي.. إنها أمي يا أستاذة.. إنها تحطمني.. صدقيني.. أنت لا تعرفين..)

ردت بثقة وسرعة..
(مهما كانت شخصية أمك قاسية.. فهذا ليس سبباً للاستسلام.. إنها أمك أولاً وأخيراً.. عليك برها وإرضاؤها وتليين جانبك لها والصبر عليها.. لكن في نفس الوقت.. لا تجعلي قسوتها سبباً لتحطيمك.. كوني أقوى واصمدي وإلا لن تستطيعي العيش طويلاً في هذا العالم القاسي!!
وتذكري دوماً أن ما لا يقتلني.. يتركني أقوى..
كل الآلام والجروح تستطيعين ترويضها وجعلها دافعاً لقوتك وتحملك بإذن الله)..


كنت أسمع كلامها بتأثر عجيب وأنا أخفي دموعي بالنظر للأرض..

(فجر.. انظري إلي.. لا تنظري للأرض..!
فجر!.. أنت إنسانة رائعة فيك الكثير من الصفات الطيبة.. لكنك تدفنين كل ذلك باستسلامك للضعف والخوف والانطواء!)


رن صوت الجرس معلناً انتهاء الفسحة، فبدأت ترتب ما بقي وتجمع الأدوات بسرعة وهي تقول..
(حسناً سأقول لك شيئاً..
إذا كنت تعتقدين أن الأقوياء هم من لم يمروا بظروف قاسية.. فأنا عشت بين أبوين منفصلين.. عشت متنقلة ما بين بيت أبي وجدتي.. هل جربت يوماً شعور ألا تكوني مستقرة في بيت واحد؟
أنا عشت هكذا.. ولن أذكر المزيد من التفاصيل الحزينة.. ويكفي أن تعلمي أني حرمت من رؤية أمي خمسة عشر عاماً.. بل هي التي لم تكن ترغب برؤيتي أصلاً!!..
لكن فقط.. أنا .. لم أرد أن أكون ضعيفة.. لقد قررت أن أصبح قوية ودعوت الله أن أكون كذلك لأساعد غيري)


خرجت معها من المعمل وأنا منبهرة تماماً.. قالت بمرحها المعتاد..
(سنعود لترتيبه مرة أخرى قريباً.. لا بد من إعادة الترتيب ما بين فترة وأخرى.. أليس كذلك)


ابتسمت لها موافقة.. وفي أعماقي شيء رائع يشرق..







 

 

  رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

لكل مشاهـده : 1 دولار
لكل موضوع : 45 دولار
لكل رد جديد : 20 دولار

الساعة الآن 06:30 AM.

المواضيع و الردود المطروحة لا تعبر عن رأي المنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها

 

| عراقي | ابراج الحظ |انترنيت| سكرابز | توبيكات | اغاني |افلام| صور|